مجموع فتاوى ومقالات متنوعة

 (حكم قول: (إن أحسنت فمن الله، وإن أسأت أو أخطأت فمن نفسي والشيطان)

 الأخ (أ.م.أ) من مكة المكرمة يقول في سؤاله: أسمع بعض الدعاة والمحاضرين يقولون في نهاية كلماتهم: (هذا ما عندي فإن أحسنت فمن الله، وإن أسأت أو أخطأت فمن نفسي والشيطان) فما حكم قولهم هذا يا سماحة الشيخ؟ أفيدونا أفادكم الله.


لا أعلم في ذلك حرجاً؛ لأن ذلك هو الحقيقة، فالمحاضر والمدرس والواعظ وغيرهم من الناصحين، عليهم في ذلك تقوى الله وتحري الحق، فإن أصابوا فذلك من فضل الله عليهم، وإن أخطئوا فمن تقصيرهم ومن الشيطان، والله سبحانه ورسوله بريئان من ذلك، والله الموفق.

 دفن الموتى في المساجد إحدى وسائل الشرك

 بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد اطلعت على صحيفة الخرطوم الصادرة في 17/4/1415هـ فألفيتها قد نشر فيها بيان بدفن السيد محمد الحسن الإدريسي بجوار أبيه في مسجدهم بمدينة أم درمان... الخ.

ولما أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان إنكار المنكر رأيت التنبيه على أن الدفن في المساجد أمر لا يجوز، بل هو من وسائل الشرك، ومن أعمال اليهود والنصارى التي ذمهم الله عليها، ولعنهم رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

فالواجب على المسلمين في كل مكان -حكومات وشعوباً- أن يتقوا الله، وأن يحذروا ما نهى عنه، وأن يدفنوا موتاهم خارج المساجد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يدفنون الموتى خارج المساجد وهكذا أتباعهم بإحسان.

وأما وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مسجده صلى الله عليه وسلم فليس به حجة على دفن الموتى في المساجد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته - في بيت عائشة رضي الله عنها - ثم دفن صاحباه معه، فلما وسع الوليد بن عبد الملك المسجد أدخل الحجرة فيه على رأس المائة الأولى من الهجرة، وقد أنكر عليه ذلك أهل العلم، ولكنه رأى أن ذلك لا يمنع من التوسعة، وأن الأمر واضح لا يشتبه.

وبذلك يتضح لكل مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما لم يدفنوا في المسجد، وإدخالهم فيه بسبب التوسعة ليس بحجة على جواز الدفن في المساجد؛ لأنهم ليسوا في المسجد، وإنما هم في بيته عليه الصلاة والسلام، ولأن عمل الوليد لا يصلح حجة لأحد في ذلك، وإنما الحجة في الكتاب والسنة، وفي إجماع سلف الأمة رضي الله عنهم، وجعلنا من أتباعهم بإحسان. وللنصح وبراءة الذمة جرى تحريره في 14/ 5/ 1415 هـ.

والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وأتباعهم بإحسان.

 أوقات الإجابة وأفضل الدعاء

قال الله تعالى: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ))[غافر:60]، ما هي نصيحتكم -جزاكم الله خيراً- للمسلم الذي يطمح في أن يكون مستجاب الدعوة، وما هو أفضل الدعاء، وأفضل أوقات استجابة الدعاء؟

المؤمن إذا رغب في استجابة الدعاء فعليه أن يحرص على الإخلاص لله في دعائه، والخضوع لله، وإحضار القلب بين يدي الله، والحذر من المعاصي، ومن أكل الحرام كل هذه من أسباب الإجابة كونه يجتهد في أن يكون ملبسه حلال، مشربه حلال، مطعمه حلال، داره استأجرها، أو اشتراها من الحلال، يعني يجتهد بأن تكون جميع تصرفاته على الوجه الذي أباحه الله، ويتباعد عن الأكساب المحرمة، هذا من أسباب الإجابة، ومن أوقات الإجابة كونه يدعو الله في آخر الليل، الثلث الأخير، بين الأذان والإقامة في جوف الليل، في السجود، كل هذا من أوقات الإجابة، وإذا كان متطهراً مستقبلاً القبلة، رافعاً يديه خاضعاً لله، قد جمع قلبه على الله كان هذا من أسباب الإجابة أيضاً، فالمؤمن يتحرى، يتحرى الأوقات المناسبة، والحالة المناسبة، والدعوات المناسبة، ويبتعد عما حرم الله من الأكساب والمعاصي، هذا من أسباب الإجابة، أما التلطخ بالمعاصي، أو بالحرام من الربا، أو سرقة أموال الناس، أو غش المعاملات، أو الخيانة كل هذا من أسباب الحرمان من الإجابة نسأل الله العافية. صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله تعالى طيب ولا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (51) سورة المؤمنون، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (172) سورة البقرة، -والطيبات يعني الحلال، الشيء الذي أباحه الله لعباده-، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومطعمه جرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأني يستجاب له). يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فأني يستجاب لمثل هذا، مستحيل أن يستجاب لمثل هذا نسأل الله العافية. لكونه قد تلطخ بالحرام، فالواجب الحذر، الواجب على المسلم الحذر من أكل الحرام، وظلمه للناس من سرقة أموال الناس، أكل الربا، الغش المعاملات، الكذب في المعاملات، إلى غير ذلك من أسباب المكاسب الحرام.

 

 دفن الموتى في المساجد إحدى وسائل الشرك

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فقد اطلعت على صحيفة الخرطوم الصادرة في 17/4/1415هـ فألفيتها قد نشر فيها بيان بدفن السيد محمد الحسن الإدريسي بجوار أبيه في مسجدهم بمدينة أم درمان... الخ.

ولما أوجب الله من النصح للمسلمين، وبيان إنكار المنكر رأيت التنبيه على أن الدفن في المساجد أمر لا يجوز، بل هو من وسائل الشرك، ومن أعمال اليهود والنصارى التي ذمهم الله عليها، ولعنهم رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

فالواجب على المسلمين في كل مكان -حكومات وشعوباً- أن يتقوا الله، وأن يحذروا ما نهى عنه، وأن يدفنوا موتاهم خارج المساجد، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يدفنون الموتى خارج المساجد وهكذا أتباعهم بإحسان.

وأما وجود قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في مسجده صلى الله عليه وسلم فليس به حجة على دفن الموتى في المساجد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفن في بيته - في بيت عائشة رضي الله عنها - ثم دفن صاحباه معه، فلما وسع الوليد بن عبد الملك المسجد أدخل الحجرة فيه على رأس المائة الأولى من الهجرة، وقد أنكر عليه ذلك أهل العلم، ولكنه رأى أن ذلك لا يمنع من التوسعة، وأن الأمر واضح لا يشتبه.

وبذلك يتضح لكل مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما لم يدفنوا في المسجد، وإدخالهم فيه بسبب التوسعة ليس بحجة على جواز الدفن في المساجد؛ لأنهم ليسوا في المسجد، وإنما هم في بيته عليه الصلاة والسلام، ولأن عمل الوليد لا يصلح حجة لأحد في ذلك، وإنما الحجة في الكتاب والسنة، وفي إجماع سلف الأمة رضي الله عنهم، وجعلنا من أتباعهم بإحسان. وللنصح وبراءة الذمة جرى تحريره في 14/ 5/ 1415 هـ.

والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، وأتباعهم بإحسان.

 

 حكم صلاة مرتكبي المعاصي

 من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ن. ق. ق. أ. سلمه الله.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:[1]

فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 763، وتاريخ 24/2/1407هـ. الذي تسأل فيه عن: جملة من الأسئلة.

وأفيدك بأن الأمر بالنسبة لقصاصات الأظافر والشعر واسع ولا حرج في وضعها في أي مكان. وأما دفع النقود لمن يضربن الدفوف في حفلات الزواج فلا بأس به إذا كان عملها كالعادة المتبعة في الأعراس؛ من عدم اختلاط النساء بالرجال، وعدم وجود منكرات أخرى كالموسيقى وضرب العود ونحو ذلك. وأما صلاة مرتكبي المعاصي فإنها صحيحة، وكذلك صيامهم، إلا إذا كانت المعاصي التي يرتكبونها مكفرة، فإنه لا ينفع معها صيام ولا صلاة؛ لقوله سبحانه: وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[2]. وفق الله الجميع لما فيه رضاه إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرئيس العام لإدارات البحوث

العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد


[1] جواب صدر من مكتب سماحته برقم 1567 في 25/5/1407هـ.

[2] سورة الأنعام، الآية 88.

 كيفية علاج الكبر واكتساب التواضع

 تكاثرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في الأمر بالتواضع للحق والخلق، والثناء على المتواضعين وذكر ثوابهم العاجل، كما تكاثرت النصوص كالنهي عن الكبر والتكبر والتعاظم وبيان عقوبة المتكبرين.. فبأي شيء يكون علاج الكبر واكتساب التواضع؟


لا شك أن الواجب على كل مسلم أن يحذر الكبر وأن يتواضع و((من تواضع لله درجة رفعه الله درجة))[1] ومن تكبر فهو على خطر أن يقصمه الله - نسأل الله العافية - قال رجل: (يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً أفذلك من الكبر؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس))[2] بطر الحق أي رد الحق، إذا خالف هواه رده، وغمط الناس أي احتقار الناس، فالناس في عينه دونه، يحتقرهم، يرى نفسه فوقهم؛ إما لفصاحته وإما لغناه وإما لوظيفته، وإما لأسباب أخرى يتخيلها، وقد يكون فقيراً، في الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر))[3] عائل أي فقير ومع فقره يستكبر ويبتلى بالكبر، فالكبر يدعو إليه المال والغنى، ومع فقره فهو يستكبر فالكبر سجية له وطبيعة له.

أما التواضع فهو لين الجانب، وحسن الخلق، وعدم الترفع على الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً))[4]،((البر حسن الخلق))[5] فليتذكر عظمة الله ويتذكر أن الله هو الذي أعطاه المال، وأعطاه الوظيفة، وأعطاه الجاه وأعطاه الوجه الحسن، أو غير ذلك، يتذكر أن من شكر ذلك التواضع وعدم التكبر، لا يتكبر لمال أو لوظيفة أو لنسب أو لجمال أو لقوة أو لغير ذلك، بل يتذكر أن هذه من نعم الله، وأن من شكرها أن يتواضع وأن يحقر نفسه، وألا يتكبر على إخوانه ويترفع عليهم، فالتكبر يدعو إلى الظلم والكذب، وعدم الإنصاف في القول والعمل، يرى نفسه فوق أخيه؛ إما لمال وإما لجمال وإما لوظيفة وإما لنسب وإما لأشياء متوهمة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس))[6] يعني رد الحق إذا خالف هواه هذا تكبر، وغمط الناس احتقار الناس، يراهم دونه وأنهم ليسوا جديرين بأن ينصفهم أو يبدأهم بالسلام، أو يجيب دعوتهم أو ما أشبه ذلك. وإذا تذكر ضعفه وأنه من نطفة ضعيفة من ماء مهين وأنه يحتاج إلى حمام لقضاء الحاجة، وأنه يأكل من هنا ويخرج من هنا، وأنه إذا لم يستقم على طاعة الله صار إلى النار عرف ضعفه، وأنه مسكين ولا يجوز له أن يتكبر.


 شكر المحسن والدعاء له

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ م- ت مدير مدرسة التهذيب بساحل العاج . زاده الله من العلم والإيمان . . آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . 
أما بعد : فقد وصلني كتابك الكريم المؤرخ 4 / 8 / 1394 هـ وصلك الله بهداه وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما ، وهذا نصها وجوابها : 
سؤال : أيجوز أن يقال للمحسن شكرا أو بارك . . إلى آخره؟ 
جواب : لا حرج أن يقول الإنسان لأخيه إذا أحسن إليه شكرا لك أو شكر الله عملك أو أنت مشكور أو ما أشبه هذه الألفاظ ؛ لقول الله سبحانه : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
[1] فأمر سبحانه الولد أن يشكر ربه ويشكر والديه ، فدل ذلك على مشروعية شكر الله سبحانه وشكر المحسن من الناس ، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) وفي لفظ : ((لايشكر الله من لا يشكر الناس)) وصح عنه عليه السلام أنه قال : ((من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه)) أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد جيد ، وشكر المحسن من جنس الدعاء . 
أما قولك : ( أو بارك ) فلم يتضح لي مرادك منها ، فإن كان المراد الدعاء له بالبركة فلا بأس ، أما إن كان المراد معنى آخر فأرجو الإفادة عنه حتى نجيبك على ذلك . 
2
 : من عادتنا إذا انتهينا من الأكل نقول : بعد أن حمدنا الله لآبائنا وأمهاتنا وكبرائنا : بارك أو شكر لك يا فلان ، نتداوله بيننا ، أيجوز ذلك . . . . إلى آخره؟ 
جواب : الجواب عن هذا السؤال يتضح من جواب الذي قبله ، وهو أنه لا حرج في شكر المحسن والدعاء له بالبركة ، بل ذلك مشروع لما تقدم من الأدلة ، وفي صحيح مسلم أن النبي زار بعض أصحابه فأكل عندهم طعاما فلما أراد الخروج قالت زوجة صاحب البيت : يا رسول الله : ادع لنا ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم)) 
والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

 العلاج الشرعي

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم... سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: 
فأشير إلى استفتائك المقيد بإدارة البحوث العلمية والإفتاء برقم 2610 وتاريخ 4/7/1407 هـ الذي تذكر فيه ما أصاب والدتك من النسيان بعد إجرائها لعملية المرارة، وطلبك أن ندلك على علاج شرعي لما أصابها، وأفيدك بأن ما حصل على والدتك إنما هو بقضاء الله وقدره، وعلى المسلم أن يصبر ويحتسب ما عند الله من الأجر عملاً بقول الله سبحانه: 
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[1]، وقوله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[2]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط)) حسنه الترمذي.
ونوصيك بأن تقرأ عليها بفاتحة الكتاب وآية الكرسي و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وغير ذلك من آيات القرآن العزيز، وتكرر ذلك في كل صباح ومساء؛ لأن الله سبحانه أنزل كتابه شفاء من كل سوء، كما قال سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ}[3] كما نوصيك مع ذلك بالدعاء الصحيح المشهور مثل: ((اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما)) و (( باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك)) تكرر هذين الدعاءين ثلاث مرات وتدعو لها أيضاً بما أحببت من الدعاء سوى ذلك، وكونه مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل، كما نوصيك بعرضها على الأطباء المختصين ولا سيما الذين أجروا لها العملية لعلهم يجدون لها علاجاً، وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وشفى والدتك مما أصابها، ومتع الجميع بالصحة والعافية إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 السنة في وضع اليد في الصلاة وما يقال بعد الرفع من الركوع

 من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ب. أ. غ. وفقه الله

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد[1]:

فقد وصلتني رسالتك المؤرخة في 27/4/1994م. المتضمنة الإفادة عن قراءتك لكتب السلف الصالح ومن ثم السؤال عن بعض الأشياء التي ظهرت لك أثناء القراءة... وأخبرك بأن السنة وضع اليمين على الشمال على الصدر؛ لحديث وائل ابن حجر وقبيصة بن هلب الطائي عن أبيه. وأبعث لك نسخة مما كتبنا في ذلك تعقيباً على الشيخ الألباني.

وأما الجواب عن سؤالك الثاني، فإن المحفوظ من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرفع من الركوع أربع صفات، إحداها: ((ربنا لك الحمد)). والثانية: ((ربنا ولك الحمد)). والثالثة: ((اللهم ربنا لك الحمد)). والرابعة: ((اللهم ربنا ولك الحمد)).

وأما عن سؤالك الثالث، فإن الأناشيد فيها تفصيل، فإن كانت سليمةً مما يخالف الشرع المطهر فلا بأس بها كسائر الشِعْرِ السليم. ولا أذكر أن أفتيت بتحريمها مطلقاً. وأسأل الله سبحانه أن يمنحك المزيد من التوفيق والمزيد من العلم النافع والعمل الصالح. وقد عمدت الجهة المختصة لدينا بإرسال نسخة من مجموع فتاوينا ونسخة من بعض الكتاب النافعة إليك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


 أحكام طهارة المريض

لقد شرع الله سبحانه وتعالى الطهارة لكل صلاة ، فإن رفع الحدث وإزالة النجاسة سواء كانت في البدن أو الثوب أو المكان المصلى فيه شرطان من شروط الصلاة . فإذا أراد المسلم الصلاة وجب أن يتوضأ الوضوء المعروف من الحدث الأصغر ، أو يغتسل إن كان حدثه أكبر ، ولا بد قبل الوضوء من الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة في حق من بال أو أتى الغائط لتتم الطهارة والنظافة ، وفيما يلي بيان لبعض الأحكام المتعلقة بذلك : 
- فالاستنجاء بالماء واجب لكل خارج من السبيلين كالبول والغائط ، وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء ، إنما عليه الوضوء . لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة ها هنا . والاستجمار يقوم مقام الاستنجاء بالماء ويكون بالحجارة أو ما يقوم مقامها ، ولا بد فيه من ثلاثة أحجار طاهرة فأكثر ، لما ثبت عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال :((من استجمر فليوتر)) [1] ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضا : ((إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه)) [2] رواه أبو داود . ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار ، رواه مسلم . ولا يجوز الاستجمار بالروث والعظام والطعام وكل ما له حرمة ، والأفضل أن يستجمر الإنسان بالحجارة ، وما أشبهها كالمناديل واللبن- اليابس من التراب والجص- ونحو ذلك ، ثم يتبعها الماء . لأن الحجارة تزيل عين النجاسة والماء يطهر المحل ، فيكون أبلغ ، والإنسان مخير بين الاستنجاء بالماء أو الاستجمار بالحجارة وما أشبهها ، أو الجمع بينهما . عن أنس رضي الله عنه قال(كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء) متفق عليه . وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لجماعة من النساء ((مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله))قال الترمذي : هذا حديث صحيح . وإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل ، لأنه يطهر المحل ويزيل العين والأثر ، وهو أبلغ في التنظيف ، وإن اقتصر على الحجر أجزأه ثلاثة أحجار إذا نقي بهن المحل فإن لم تكف زاد رابعا وخامسا حتى ينقي المحل ، والأفضل أن يقطع على وتر ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من استجمر فليوتر ولا يجوز الاستجمار باليد اليمنى ، لقول سلمان في حديثه : ((نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجي أحدنا بيمينه)) [3] ولقوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه)) [4]
وإن كان أقطع اليسرى أو بها كسر أو مرض ونحوهما ، استجمر بيمينه للحاجة ولا حرج في ذلك ، وإن جمع بين الاستجمار والاستنجاء بالماء ، كان أفضل وأكمل . ولما كانت الشريعة الإسلامية مبنية على اليسر والسهولة ، خفف الله سبحانه وتعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ليتمكنوا من عبادته تعالى بدون حرج ولا مشقة ، قال تعالى : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [5] وقال سبحانه يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[6] وقال عز وجل :  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [7] وقال عليه الصلاة والسلام : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) [8] وقال : ((إن الدين يسر)) [9] فالمريض إذا لم يستطع التطهر بالماء بأن يتوضأ من الحدث الأصغر أو يغتسل من الحدث ألا كبر لعجزه أو لخوفه من زيادة المرض أو تأخر برئه ، فإنه يتيمم وهو : أن يضرب بيديه على التراب الطاهر ضربة واحدة ، فيمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ[10] والعاجز عن استعمال الماء حكمه حكم من لم يجد الماء ، لقول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[11] ولقوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) 
وللمريض في الطهارة عدة حالات : 
1- إن كان مرضه يسيرا لا يخاف من استعمال الماء معه تلفا ولا مرضا مخوفا ولا إبطاء برء ولا زيادة ألم ولا شينا فاحشا وذلك كصداع ووجع ضرس ونحوهما ، أو كان ممن يمكنه استعمال الماء الدافئ ولا ضرر عليه ، فهذا لا يجوز له التيمم . لأن إباحته لنفي الضرر ولا ضرر عليه ؛ ولأنه واجد للماء فوجب عليه استعماله . 
2- وإن كان به مرض يخاف معه تلف النفس ، أو تلف عضو ، أو حدوث مرض يخاف معه تلف النفس أو تلف عضو أو فوات منفعة ، فهذا يجوز له التيمم . لقوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[12] 
3- وإن كان به مرض لا يقدر معه على الحركة ولا يجد من يناوله الماء جاز له التيمم . 
4- من به جروح أو قروح أو كسر أو مرض يضره استعمال الماء فأجنب ، جاز له التيمم للأدلة السابقة ، وإن أمكنه غسل الصحيح من جسده وجب عليه ذلك وتيمم للباقي . 
5- إذا كان المريض في محل لم يجد ماء ولا ترابا ولا من يحضر له الموجود منهما ، فإنه يصلي على حسب
حاله وليس له تأجيل الصلاة ، لقول الله سبحانه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[13] 
6
- المريض المصاب بسلس البول أو استمرار خروج الدم أو الريح ولم يبرأ بمعالجته ، عليه أن يتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقتها ويغسل ما يصيب بدنه وثوبه ، أو يجعل للصلاة ثوبا طاهرا إن تيسر له ذلك . لقوله تعالى وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[14] وقوله تعالى :يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[15] وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) ويحتاط لنفسه احتياطا يمنع انتشار البول أو الدم في ثوبه أو جسمه أو مكان صلاته . وله أن يفعل في الوقت ما تيسر من صلاة وقراءة في المصحف حتى يخرج الوقت ، فإذا خرج الوقت وجب عليه أن يعيد الوضوء أو التيمم إن كان لا يستطيع الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة وهي التي يستمر معها الدم غير دم الحيض . ويبطل التيمم بكل ما يبطل به الوضوء ، وبالقدرة على استعمال الماء ، أو وجوده إن كان معدوما ، والله ولي التوفيق .

 

 رد على ما نشر في جريدة البلاد حول ما نسب إلى سماحته من بعض الأدعية التي تقال عند ذكر الجنة والنار

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم سعادة رئيس تحرير جريدة البلاد ، وفقه الله لكل خير ، آمين . سلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد : 
فقد جاء في جريدة البلاد العدد ( 11030 ) الصادر يوم الأحد 20 ربيع الآخر سنة 1415 هـ في صفحة روضة الإسلام ( 8 ) تحت عنوان " فتاوى العلماء " السؤال التالي مع جوابه المنسوب إلي وهو : 
س : سمعت بعض المصلين أثناء قراءته القرآن في الصلاة يقطع القراءة ويدعو بأدعية مناسبة فيقول عند ذكر الجنة : اللهم إني أسألك الجنة ، وعند ذكر النار : اللهم أجرني من النار ، فهل ذلك جائز شرعا ؟ 
الجواب : يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله ، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ به من النار . وإذا مر بآية تنزيه لله سبحانه نزهه فقال : سبحانه وتعالى ، أو نحو ذلك ، ويستحب لكل من قرأ . أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ[1] أن يقول : ( بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ) ، وإذا قرأ : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى
[2] قال : ( بلى أشهد ) ، وإذا قرأ : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ[3] قال : ( آمنت بالله ) ، وإذا قرأ : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ[4] قال : ( لا نكذب بشيء من آيات ربنا ) ، وإذا قرأ :سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى[5] قال : ( سبحان ربي الأعلى ) ، ويستحب هذا للإمام والمأموم والمنفرد ، لأنه دعاء فهو مطلوب منهم كالتأمين ، وكذلك الحكم في القراءة في غير الصلاة . ا هـ ولا أدري من أين نقلتم هذا السؤال مع جوابه ، وقد سبق أن كتبنا لكم برقم 40 / 1 وتاريخ 6 / 1 / 1415 هـ نستوضح عن المصدر الذي تأخذون منه هذه الفتاوى . وهذا السؤال وجوابه فيه أشياء لست أفتي بها . منها : 
- ما يقال عند آخر قراءة سورة التين ، وآخر سورة المرسلات ، لأن الحديث في ذلك ضعيف - ومنها ما ذكرتم أنه يقال عند قراءة :
 فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فإنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ذلك عند قراءته هذه الآية في الصلاة أو غيرها . وإنما المنقول عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما قرأ سورة الرحمن على الصحابة رضي الله عنهم أخبرهم أن الجن كانوا يقولون لما قرأ عليهم هذه الآية : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ولا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد . 
فاصلة : فأرجو الإفادة عن أي كتاب نقلتم عنه هذا السؤال وجوابه وأرجو أن ترسلوا إلي الأسئلة التي تحبون الجواب عنها حتى أجيب عنها إن شاء الله ، ولا أسمح لكم أن تنقلوا الجواب إلا من كتاب آذن لكم بالنقل منه ، حذرا من الأخطاء . 
وفق الله الجميع لما يرضيه ، وأعاننا وإياكم على كل خير ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مفتي عام المملكة العربية السعودية
ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء

 

 أداء العمرة في المولد

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. ث.. وفقه الله لما فيه رضاه آمين.. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
وصلنا كتابك المتضمن رغبة والدك في أداء العمرة في المولد وطلبك المساعدة له في ذلك.. إلخ[1]
وعليه نشكرك على العناية بوالدك، ونحب أن نلفت نظرك إلى شيء مهم، وهو أن الاحتفال بالموالد غير مشروع وليس له أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضوان الله عليهم، وهكذا العمرة وقت الموالد غير مشروعة، ولكنها تشرع في جميع السنة من غير تحرٍّ لوقت المولد، وأفضل ذلك أن تكون في رمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:((عمرة في رمضان تعدل حجة))[2] متفق على صحته. وهي لا تجب في العمر إلا مرة كالحج[3].
هذا ونسأل الله لنا ولكم وللمسلمين التوفيق لما يرضيه وصلاح النية والعمل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 الإيمان بالقدر

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى كافة إخواني المسلمين وفقني الله وإياهم لفعل ما يرضيه وجنبني وإياهم أسباب سخطه وعقابه، آمين.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فلقد أنعم الله علينا معشر المسلمين بنعم كثيرة وخيرات وفيرة، أهمها وأعظمها نعمة الإسلام، تلكم النعمة الكبرى التي لا يعادلها شيء، من عقلها وشكرها واستقام عليها قولاً وعملاً فاز بسعادة الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ[1]، ويقول سبحانه وتعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ[2]؛ فالواجب على الجميع شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم والحذر من عدم الشكر، قال تعالى ممتنا على عباده: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[3]؛ فشكر الله على نعمه جملة وتفصيلاً قيد لها، ووسيلة لدوامها وسبب للمزيد منها، قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[4]، وقال تعالى: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ[5]، وقال تعالى:فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ[6]، وقال تعالىاعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ[7].

وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يدعو بهذا الدعاء في دبر كل صلاة: ((اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))[8]، وبشكر الله على نعمه واستعمالها فيما يرضيه تستقيم الأمور وتقل الشرور.

وإن من خير ما تحلى به أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم من الصفات الفاضلة هو شكرهم للنعمة وطلبهم التوفيق لذلك، قال الله تعالى عن نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ[9]، وقال مثنياً على نبيه نوح عليه الصلاة والسلام: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا[10].

ومن علامات شكر النعمة استعمالها في طاعة الله سبحانه وتعالى، وعدم الاستعانة بها على شيء من معاصيه، وكذا التحدث بها على وجه الاعتراف بها لله والثناء عليه، لا تطاولاً وفخراً على من حرمها، ولا رياءً وسمعة، وعلى العكس من ذلك كفران النعمة وعدم شكرها فهو نكران للجميل وجحد لفضل المنعم وعامل من عوامل زوالها عمن أنعم الله بها عليه، وهو ظلم للنفس يجر عليها أسوأ العواقب، قال الله سبحانه وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[11] أي دنسها بالمعاصي. وبتقوى الله سبحانه وتعالى وطاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تحصل الخيرات وتندفع الشرور والمكروهات وتدوم النعم، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[12]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[13].

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه يختبر عباده فيبتليهم بالخير تارة وبالشر أخرى، فيزداد المؤمنون إيماناً على إيمانهم وتعلقاً بالله ولجوءاً إليه سبحانه وتعالى، ويصبرون على ما قدره الله وقضاه ليتضاعف لهم الأجر والثواب من الله، وليخافوا من سوء عاقبة الذنوب فيكفوا عنها، قال الله سبحانه وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[14]، وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ[15]، وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[16]، وقال سبحانه وتعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[17]، وقال تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[18]، وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[19].

وكل هذه الآيات يبين الله سبحانه وتعالى فيها أنه لا بد أن يبتلي عباده ويمتحنهم كما فعل بالذين من قبلهم من الأمم، فإذا صبروا على هذا الابتلاء وأنابوا إلى الله ورجعوا إليه في كل ما يصيبهم عند ذلك يثيبهم الله رضاه ومغفرته، ويسكنهم جنته، ويعوضهم خيراً مما فاتهم، وما يحصل في هذا الكون من آيات تهز المشاعر والأبدان كالصواعق والرياح الشديدة والفيضانات المهلكة للحرث والنسل والزلازل، وما يسقط بسببها من شامخ البنيان وكبار الشجر، وما يهلك بسببها من الأنفس والأموال، وما يقع في بعض الأماكن من البراكين التي تتسبب في هلاك ما حولها ودماره، وما يقع من خسوف وكسوف في الشمس والقمر ونحو ذلك مما يبتلي الله به عباده هو تخويف منه سبحانه وتعالى وتحذير لعباده من التمادي في الطغيان، وحث لهم على الرجوع والإنابة إليه واختبار لمدى صبرهم على قضاء الله وقدره ولعذاب الآخرة أكبر ولأمر الله أعظم.

ولما كذبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر الله نبيه أنه قد أهلك الأمم المكذبة للأنبياء والمرسلين السابقين عليه في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ[20]. وأنزل بعدها قوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ[21]؛ فعلى المؤمنين جميعاً أن يتقوا الله ويراقبوه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإذا ما حلت بهم نازلة من النوازل فعليهم أن ينيبوا إلى الله ويرجعوا إليه ويفتشوا في أنفسهم عن أسباب ما حصل؛ لأن الله يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ[22]، وعليهم أن يتوبوا إلى الله مما حصل منهم من نقص في الطاعات أو اقتراف للسيئات، فإن التوبة من أسباب رفع المصائب، وعليهم أن يصبروا ويحتسبوا أجر ما حصل لهم من مصائب عند الله، قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[23]، وقال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[24]، المعنى من أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويؤمن أن الله سيعوضه عما فاته في الدنيا هدى في قلبه ويقيناً صادقاً، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيراً منه، وكون بعض الحقائق قد تبين أن شيئاً من الكسوف أو الخسوف وما أشبههما يعرف بالحساب أو ببعض الأمارات قد يحصل، فهذا لا ينافي قدرة الله سبحانه وتعالى وتخويف عباده فهو يوقعها متى شاء، قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[25].

وحينما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى بأصحابه صلاة الكسوف، خطب فيهم خطبة بليغة أخبرهم فيها أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يرسلهما يخوف بهما عباده، وأمرهم بالصلاة والصدقة والتكبير والذكر والاستغفار والعتق، وقال في خطبته: ((يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته, يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))[26] الحديث، وإن واقع أكثر المسلمين اليوم يدل على استخفافهم بحق الله وما يجب من طاعته وتقواه، والمتأمل يسمع ويرى كثيرا من العقوبات للأمم والشعوب، تارة بالفيضانات وتارة بالأعاصير، وتارة بالهزات الأرضية، وتارة بالمجاعات، وتارة بالحروب الطاحنة التي تأكل الرطب واليابس، كما بين سبحانه وتعالى في كتابه العزيز بعض أنواع العقوبات التي أنزلها بالعاصين والمنحرفين عن الصراط المستقيم من الأمم السابقة المكذبين لرسلهم ليتعظ الناس ويحذروا أعمالهم، قال تعالى: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[27].

وإن للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المضرة بالقلب والبدن والمجتمع والمسببة لغضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة ما لا يعلم تفاصيله إلا الله تعالى، فهي تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في الماء والهواء والثمار والمساكن، قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[28]، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[29]، وإن فيما يقع من هذه الكوارث عظة وعبرة، والسعيد من وعظ بغيره، وبالجملة فإن جميع الشرور والعقوبات التي يتعرض لها العباد في الدنيا والآخرة أسبابها الذنوب والمعاصي، وإن من علامات قساوة القلوب وطمسها والعياذ بالله أن يسمع الناس قوارع الآيات وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت؛ ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم، مغترين بإمهال ربهم لهم، عاكفين على اتباع أهوائهم وشهواتهم، غير عابئين بوعيد ولا منصاعين لتهديد، قال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[30].

كما أن الاستمرار على معاصي الله مع حدوث بعض العقوبات عليها دليل على ضعف الإيمان أو عدمه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ[31]، وقال تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ[32]، وقال تعالى: كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ[33].

أيها الإخوة في الله لقد حدث في الأيام القريبة الماضية حدث عظيم فيه عظة وعبرة لمن اعتبر، ومن واجب المؤمنين أن يعتبروا بما يحدث في هذا الكون، قال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ[34]، ما حدث هو ما سمعنا عنه في الإذاعة وقرأنا عنه في الصحف والمجلات، وما شاهده الناس على شاشة التلفاز، وتحدث به القريب والبعيد، ذلك هو ما تعرض له اليمن الشمالي من الزلازل والهزات التي اجتاحت كثيراً من مدنه وقراه، وما نتج عن ذلك من ذهاب كثير من الأنفس والأموال والممتلكات، وخراب الكثير من المساكن، وجرح الكثير ،وبقاء أسر كثيرة فاقدة أموالها ومساكنها، وأبناءها وأزواجها، فترمل الكثير من النساء، وتيتم الكثير من الأطفال، وكل هذا حصل في وقت قصير، وهو دليل على عظمة الله وقدرته، وأن العباد مهما تمكنوا في هذه الدنيا وكانت لهم قدرة وقوة وعظمة ضعفاء أمام قدرة الله تبارك وتعالى..

وإن من الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل، وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا أسباب غضبه ونقمته، وندعو الله لموتى إخواننا اليمنيين بالمغفرة والرحمة، ولأحيائهم بالسكينة وحسن العزاء، وأن يجعل الله ما حصل لهم مكفراً لسيئاتهم ورافعاً لدرجاتهم وموقظاً لقلوب الغافلين منا ومنهم، كما يجب علينا أن نواسيهم بالتعاون معهم والعطف عليهم ببذل ما ينفعهم من أموالنا إحساناً إليهم وصدقة عليهم جبراً لمصيبتهم وتخفيفاً من عظمها عليهم، قال تعالى: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا[35]، وقال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[36]، وقال سبحانه: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[37]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))[38] رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته))[39]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه[40]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))[41] متفق عليه، فعلينا جميعاً المبادرة إلى مد يد العون لإخواننا في اليمن وبذل ما نستطيع ليتحقق معنى الأخوة الإسلامية التي أشار إليها الرسول في هذه الأحاديث الصحيحة، ولنحصل على الأجر العظيم الذي وعد الله به المنفقين والمحسنين، وفق الله المسلمين عموماً وإخواننا في اليمن خصوصاً للصبر والاحتساب، وضاعف لنا ولهم الأجر والثواب، وأنزل على المصابين السكينة والطمأنينة وحسن العزاء، ومن على الجميع بالتوبة النصوح والاستقامة على الحق والحذر من أسباب غضب الله وعقابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

 عقيدة أهل السنة والجماعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله، وخليله، وأمينه على وحيه، نبينا، وإمامنا، وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه، إلى يوم الدين. أما بعد[1]:

فإن الله جل وعلا خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بها سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)[2] سبحانه وتعالى، فخلقهم للعبادة وتكفل بأرزاقهم، كما قال في الآية الأخرى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا[3] وأرسل الرسل جميعاً لهذا الأمر العظيم؛ ليدعوا الناس إلى عبادة الله، ويأمروهم بها، ويوضحوها لهم، فقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[4] هكذا جميع الرسل، بعثوا لهذا الأمر العظيم؛ ليأمروا الناس، أن يعبدوا الله وحده دون كل ما سواه، ويقول سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[5].

وهذه العبادة التي خلقوا لها، وأرسلت الرسل بها، أمرهم بها سبحانه في مواضع من كتابه العظيم، كما في قوله تعالى في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[6]، وقال في سورة النساء: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا[7]، وقال في سورة بني إسرائيل: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ[8]، وقال في سورة البينة: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ[9]، وقال سبحانه:فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ[10].

 

 هل الدعاء والصدقة ترد القضاء والقدر

 من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الابن المكرم صاحب السمو الملكي الأمير المكرم / عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز وفقه الله لكل خير آمين. 

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته: 

فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في 24/8/1411هـ وصلكم الله وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما. وهذا نصها وجوابها[1]

السؤال الأول: هل الدعاء والصدقة ترد القضاء والقدر؟ 
جواب: قدر الله عز وجل ماض في عباده كما قال الله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[2]، وقال عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}[3]، وقال سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[4]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل عليه السلام لما سأله عن الإيمان: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة))، قال: ((وعرشه على الماء)) رواه الإمام مسلم في صحيحه، وقال عليه الصلاة والسلام: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)) رواه مسلم أيضا، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الحوادث معلقة بأسبابها، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه وإن البر يزيد العمر ولا يرد القدر إلا الدعاء)) ومراده صلى الله عليه وسلم أن القدر المعلق بالدعاء يرده الدعاء، وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه)) فالأقدار تردها الأقدار التي جعلها الله سبحانه مانعة لها، والأقدار المعلقة على وجود أشياء كالبر والصلة والصدقة توجد عند وجودها، وكل ذلك داخل في القدر العام المذكور في قوله سبحانه: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[5]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وتؤمن بالقدر خيره وشره))، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفئ الماء النار)) وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إن صدقة السر تطفئ غضب الله وتدفع ميتة السوء)) وجميع الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب تدعو إلى إيمان العبد بأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما تدعوه إلى أن يسارع في الخيرات وينافس في الطاعات، ويحرص على أسباب الخير ويبتعد عن أسباب الشر، ويسأل ربه التوفيق والإعانة على كل ما فيه رضا الله سبحانه والسلامة من كل سوء، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ذات يوم: ((ما منكم من أحد إلا وقد علم مقعده من الجنة ومقعده من النار)) فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة))، ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله سبحانه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[6]. والله الموفق.

 النهي عن سب القدر

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: 
فقد اطلعت على ما نشر في جريدة الرياض العدد 4887 الصادر في 17/ 9/ 1401هـ تحت زاوية قصة اجتماعية بعنوان "قسوة القدر" بقلم قماشة الإبراهيم، وقد ورد في القصة المذكورة قول الكاتبة: (إننا في هذه الحياة ليس لنا حقوق، إننا أعمار يلهو بها القدر، حتى يملها، فيلقي بها إلى العالم الآخر، والقدر يلهو أحيانا بدموعنا وضحكاتنا).
وهذا الكلام مناف لكمال التوحيد، وكمال الإيمان بالقدر، فإن القدر لا يلهو، والزمن لا يعبث، وإن كل ما يجري في هذه الحياة هو بتقدير الله وعلمه، والله سبحانه هو الذي يصرف الليل والنهار، وهو الذي يقدر السعادة والشقاء، حسب ما تقتضيه حكمته وقد تخفى تلك الحكمة على الناس؛ لأن علمهم محدود، وعقولهم قاصرة عن إدراك تلك الحكمة الإلهية، وكل ما في الوجود مخلوق لله، خلقه بمشيئته وقدرته، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويغني ويفقر، ويضل ويهدي، ويسعد ويشقي، ويولي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، وقد أحسن كل شيء خلقه، وكل أفعال الخالق وأوامره ونواهيه، لها حكمة بالغة وغايات محمودة، يشكر عليها سبحانه، وإن لم يعرفها البشر لقصور إدراكهم. 
وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 
((يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار))، وفي رواية: ((لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر))، وفي رواية: ((لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما))، وقد كان العرب في الجاهلية ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد، سبوا فاعلها فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر، وقد نقل هذا التفسير للحديث بهذا المعنى عن الشافعي، وأبي عبيد، وابن جرير، والبغوي وغيرهم. 
وأما معنى قوله:
 ((أقلب الليل والنهار)) يعني أن ما يجري فيهما من خير وشر بإرادة الله وتدبيره وبعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[1].
وقد أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، بابا في كتاب التوحيد سماه: (باب من سب الدهر فقد آذى الله) أورد فيه هذا الحديث وبين أنه يشتمل على عدة مسائل: 
1- النهي عن سب الدهر. 
2- تسميته أذى لله. 
3- التأمل في قوله: فإن الله هو الدهر
.
4- أنه قد يكون سابا
ً ولو لم يقصده بقلبه. 
وعلى هذا فإن الكاتبة - سامحها الله - أخطأت عندما نسبت القسوة إلى الدهر في عنوان قصتها؛ لأن القدر - كما سبق - لا يتصرف، وإنما الله سبحانه هو المقدر للأشياء عن حكمة بالغة، والله جل وعلا لا يوصف بالقسوة، بل هو جل وعلا رحيم بعباده، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها، كما ورد في الحديث الصحيح الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها فيجب أن ننزه أقلامنا عن الوقوع في مثل هذه المزالق، امتثالا لأمر الله وأمر رسوله، وإكمالاً للتوحيد، وابتعاداً عما ينافيه أو ينافي كماله، ووسائل الإعلام - كما هو معروف - واسعة الانتشار وعظيمة التأثير على الناس، وكثرة ترديدها لمثل هذه الكلمات ينشرها بين الناس، ويجعلهم يتساهلون في استعمالها، وخاصة النشء مع ما في استعمالها من المحذور.

نسأل الله أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ويجنبنا زلات القلم واللسان، إنه سميع مجيب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

 حكم نتر الذكر عند البول

عن عيسى بن يزداد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات))[1] رواه ابن ماجه بسند ضعيف، قاله الحافظ في البلوغ[2].

قلت: وأخرجه أحمد وهو ضعيف كما قال الحافظ لأن عيسى وأباه مجهولان قاله ابن معين وجزم بذلك الحافظ في التقريب ومما يدل على ضعفه أن هذا العمل يسبب الوسوسة والإصابة بالسلس فالواجب ترك ذلك.

 

 حديث: ((لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث))

حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث)) ضعيف من جميع طرقه كما نبه على ذلك الخطابي وغيره، ومما يدل على ضعفه أيضاً ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وهي معترضة بين يديه) 

 حديث: ((من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه....))

حدثنا سفيان بن وكيع أخبرنا يحيى بن اليمان عن شريك عن أبي إسحاق عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، قال: وفي الباب عن أنس وابن عمر.

قال أبو عيسى: حديث ابن عباس غريب سألت محمداً عن هذا الحديث، فقال: إنما يروى هذا عن ابن عباس ضعيف؛ أن في إسناده سفيان بن وكيع وهو لا يحتج به بسبب ما فعله وراقه كما فيالتهذيب



 

 ذكر بعض الأحاديث التي أوردها الشيخ رحمه الله في رسالته "التحفة الكريمة في بيان بعض الأحاديث الموضوعة والسقيمة"

1- أفضل وأشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة

  ((أفضل الناس عند الله منزلةً يوم القيامة إمام عادل رفيق، وشر عباد الله منزلةً يوم القيامة إمام جائر)) رواه الطبراني في الأوسط من رواية ابن لهيعة ذكره المنذري في الترغيب.

وابن لهيعة ضعيف، ولا شك أن الإمام العادل الرفيق من أفضل الناس؛ لما في عدله من النفع العظيم، والمصالح الكثيرة للمسلمين وغيرهم.

ولا شك أيضاً أن الإمام الجائر من شرّ الناس؛ لما في جوره وظلمه من المضار الكثيرة على المسلمين.

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...))[1] وبدأ بالإمام العادل.

وفي الصحيحين أيضاً عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة))[2].

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه))[3].

بهذه الأحاديث الصحيحة، يعلم أن الإمام العادل الرفيق من خير الناس، وأن الإمام الجائر الغاش للأمة من شر الناس.

وهكذا كل من ولي من أمر الأمة شيئاً من أمير قرية، أو مدينة أو وزير أو أي موظف على شيء من أمور المسلمين، له هذا الحكم. فالواجب الحذر والنصح وأداء الأمانة، والله ولي التوفيق.

 

 2- حديث: ((أخروهن من حيث أخرهن الله)) يعني النساء

حديث: ((أخروهن من حيث أخرهن الله)) يعني النساء.

ذكر صاحب كشف الخفاء ص 67 مجلد أول عن المقاصد، وعن الزركشي، أنه موقوف على ابن مسعود.. أخرجه عبد الرزاق والطبراني من طريقه، وليس بمرفوع... انظر تمامه في الكشف. وله شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها))[4].

 

 3- حديث: ((أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم))

 حديث((أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم))، ضعيف أو موضوع، وقد ذكره في كشف الخفاء ص 154 ج 1، وقال: روه أبو نعيم والعقيلي من طريق عمرو السكسكي عن ربيعة بن كعب رفعه، قال: وعمرو المذكور ضعيف جداً، وقال العقيلي: لا يعرف هذا الحديث إلا به، ولا يصح فيه شيء.

وذكر في الكشف له طرقاً أخرى، ونقل عن ابن الجوزي أنه أدخله في الموضوعات فراجع كلامه فيه إن شئت، والله الموفق.

 

 4- حديث: ((فضل علي وسلمان وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم))

حديث: ((إن الله يحب من أصحابي أربعة: علياً وسلمان وأبا ذر والمقداد ابن الأسود الكندي))أخرجه الإمام أحمد في المسند في المجلد الخامس، ص 351، 356.

والترمذي في المجلد الرابع من الطبعة الهندية بشرح المباركفوري صفحة 327، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من طريق شريك، يعني به شريكاً القاضي.

وأخرجه ابن ماجه في المجلد الأول صفحة 66، وأخرجه الحاكم صفحة 130 من المجلد الثالث كلهم من طريق شريك القاضي عن أبي ربيعة الإيادي عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلهم رووه عن شريك عن أبي ربيعة بالعنعنة ما عدا أحمد في إحدى روايتيه، فإن شريكاً صرح فيها بأن أبا ربيعة حدثه بذلك.

وإسناده ضعيف من أجل أبي ربيعة المذكور فإنه انفرد به وهو منكر الحديث. قاله أبو حاتم الرازي، وصححه الحاكم.

وزعم أنه على شرط مسلم، وأنكر الذهبي عليه ذلك. وقال: إن مسلماً لم يخرج عن أبي ربيعة المذكور.. انتهى.

وكثيراً ما يصحح الحاكم رحمه الله أحاديث ضعيفة وموضوعة، فلا ينبغي أن يغتر بتصحيحه، وقد أغرب الحافظ ابن حجر في ترجمة المقداد، فحسن هذا الحديث، وليس ذلك بجيد؛ لضعف إسناده بانفراد أبي ربيعة به، ونكارة متنه؛ ولأن هذا الحديث لو كان صحيحاً لم يخف على الحفاظ من أصحاب بريدة.

وعلى فرض صحته فإنه لا مفهوم له؛ لأن الله جل وعلا يحب جميع صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وأرضاهم، ويحب كل مؤمنٍ ومؤمنة من سائر الثقلين، كما قال عز وجل: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}[5]، {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}[6]، {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[7]، وقوله عز وجل: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}[8]، وقوله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.. إلى أن قال عز وجل: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[9]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

تنبيه آخر:

نقل الحافظ الذهبي كلام أبي حاتم المذكور في شأن أبي ربيعة في الميزان في ترجمة عمر بن ربيعة ص 257 الجلد رقم 2.

  

 5- وقت القيام للصلاة عند الإقامة

خرج البيهقي في السنن من طريق الحجاج بن فروج الواسطي عن العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كان بلال إذا قال: قد قامت الصلاة، نهض النبي صلى الله عليه وسلم وكبر.

وأعله بالحجاج المذكور وذكر أن ابن معين ضعفه. وذكره صاحب الميزان: أعني الحافظ الذهبي رحمه الله من طريق الحجاج المذكور وذكر ابن معين، والنسائي ضعفاه.... انتهى المقصود.

قلت: وفي السند المذكور علة أخرى. وهي الانقطاع بين العوام، وبين عبد الله بن أبي أوفى؛ لأن العوام لم يسمع منه، ولا من غيره من الصحابة رضي الله عنهم، كما يعلم ذلك من تهذيب التهذيب وغيره.

وبذلك يكون الحديث المذكور ضعيفاً؛ لعلتين وهما: الانقطاع وضعف الحجاج... وقد ذكره كثير من الفقهاء في أول باب صفة الصلاة، محتجين به على استحباب قيام المأموم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة. ولم يعزه كثير منهم إلى أحد، ولا حجة فيه لضعفه.

وبذلك يعلم أنه لا تحديد في وقت قيام المأموم للصلاة إذا أخذ المؤذن في الإقامة فهو مخير في القيام في أول الإقامة، أو في أثنائها أو آخرها. وهو قول أكثر أهل العلم، وأما التكبير فلم يكن صلى الله عليه وسلم يكبر تكبيرة الإحرام إلا بعد الفراغ من الإقامة، وبعد أن يأمر الناس بتسوية الصفوف، وسد الخلل، كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام، وذلك يدل على بطلان هذا الحديث، وعدم صحته. والله ولي التوفيق.

 

This free website was made using Yola.

No HTML skills required. Build your website in minutes.

Go to www.yola.com and sign up today!

Make a free website with Yola